التنزيلات: 19
مجاني
كتاب مفتوح الوصول
112 عدد الصفحات October 2026
ISBN: 978-9922-7965-50
قطعت على نفسي عهدًا أن أكتب كل ليلة من ليالي رمضان الفائت قصة تحكي عن واحد أو واحدة من المجانين أو المعتوهين أو المرضى النفسيين أو العقليين، سمِّهم ما شئت، فهم في النهاية ضحايا، عاشوا بيننا، عرفت بعضهم،وسمعت عن بعضهم الآخر. واليوم أعرف أن ذلك القرار كان متسرعًا، فقد كان أكر من قدراتي. ذلك لأني بالكاد استطعت أن أكتب عن ثمانية منهم.
ساعدني كثر من الأصدقاء الأعزاء الذين قدموا لي المعلومة، أو راجعوا معي النصوص،وهم كل من كامل أمن هاشم، عباس حافظ الديراوي، سلمى إبراهيم، طالب غالي، رمضان البدران، وواثق غازي عبد الني.
حاولت أن استبعد الاسماء الحقيقية لاعتبارات كثرة، واستعضت عنها بأسماء وهمية من صنع الخيال. ولذلك أنوّه هنا أن كل الاسماء المذكورة في هذه الحكايات وهمية لا وجود لها في الواقع. وفي حال وجود تشابه أسماء مع أناس واقعين فهو محض صدفة غر مقصودة.
كان هدفي من هذه الحكايات هو شجب التنمّر والاعتداء بكل أشكاله على هذه الشريحة المهمشة والمظلومة في المجتمع. فضا عن تسليط الضوء على فكرة شجب التنمر والتمييز والتعالي على كل شريحة أخرى أو شخصية أخرى. كما أني حاولت إعادة الحياة لبيئات مدنية وريفية لم يعد لها وجود للأسف. فقد أختفت تلك المعالم الجميلة.
لقد لاحظت انتشار ظاهرة النوستالجيا، ونشرت مقالة حول هذه القضية عنوانها )الحنن إلى الماضي(، انتقدت فيها إنكفاء الناس على الماضي وتمجيده والتغي به بشكل سلبي. في هذه الحكايات حاولت استثمار الماضي بشكل ايجابي.
وأرجو أن أكون قد نحجت في مسعاي هذا. فمن جهة أعرض الحياة اليومية السابقة بكل جمالها وسامها، ومن جهة أخرى أسلّط النقد على ظواهر قد تكون من الماضي أو من الحاضر. فضاً عن إسعاد القرّاء في أيام المكوث بالبيت بسبب كورونا، وإشغال وقت الفراغ الزائد عن الحد المألوف بعمل مفيد.
ولقد وردتني رسائل من العديد من الأصدقاء، وسعّوا فيها دائرة الفكر بخصوص قضية الجنون. فكانت اضافات مهمة، كارتباط الظاهرة بالعلاقات الإجتماعية والاقتصادية والسياسية، والي آمل أن أستثمر بعضها في أعمال لاحقة. فقد ذكر بعضُ الأصدقاء أن المتسولين والمجانن والباعة الجائلن كانوا وكلاء أمن تستخدمهم السلطة للتجسس على الناس. والدليل على ذلك أنهم كانوا كثرًا ما يختفون بظروف غامضة، وهذا يعي أنهم نُقلوا إلى مواقع أخرى، أوكلفتهم دوائرهم بمهام أخرى. في حن ربط آخرون الظاهرة مع الهجرة، زاعمن أن الرثاثة قد طغت في المدن المهمة بسبب تلك الهجرة ، فانتشر المتسولون والنشّالة، وانتشرت مشاهد لمجانن يجوبون الشوارع. وذهب آخرون إلى أن كثرة المجانن في ذلك الوقت سببه التعذيب الذي كانت تنتهجه أجهزة الدولة الأمنية، مؤكدين أن التعذيب يؤدي إلى
العوق والجنون. آخرون رأوا أن الجنون مرتبط بازدياد تعقيد المجتمع وقلة الإيمان وابتعاد الناس عن الالتزام بتعاليم الدين. فيما أقرََّ آخرون أن الجنون والعته موجود في كل العصور وفي كل الأماكن، ولكن الظاهرة تكون واضحة في المدن الكبرة.
فيما إعتقد البعض أن الظاهرة إنخفضت بعد 2003 بسبب الحرية والديمقراطية وارتفاع مستوى دخل الفرد وازدياد دور علماء الدين والقنوات الدينية. ورفض آخرون هذا الرأي متهكمن ومُدَّعن أنه بسبب الفساد والرثاثة الي انتشرت مؤخرًا فلم يعد المرءُ قادرًا على تمييز المجنون من غره! وقد أثار آخرون قضية إنتشار عصابات الإتجار بالأعضاء البشرية في السنوات الأخرة والي تقوم بخطف الأطفال وغيرهم من أجل سرقة أعضائهم الحيوية، غر مستبعدين قيام تلك العصابات بخطف المجانن من الشوارع من أجل الاستحواذ على أعضائهم، ما أدى إلى اختفائهم من الشارع.
نصحي صديق مشكورًا بقراءة ميشيل فوكو وتاريخ الجنون في العصرالكلاسيكي. وقد بدأت بقراءته فعاً. شكرًا لأصدقائي ولكل من شجّعني، ولكل من قرأ أو سيقرأ هذه الحكايات.